أكتوبر 24, 2025

السبورة التي لم تعد ترى أحداً!

أكتوبر 24, 2025

كانت ترى الوجوهتحفظ الأسماءوتُبحر مع العقول
أما اليوم، فالسبورة نفسها أصبحت مجرد شاشة صمّاء، تُعرض عليها شرائح بلا معنى، وتختبئ خلفها نظرات غائبةوعقول مشغولة بأجهزة أخرى.

ما عادت السبورة تلمح ابتسامة طالبولا حتى نظرة استيعاب. كل ما تراه هو ظهور منحنية، ووجوه تائهة، وأصابع تضغط على الشاشات أكثر مما ترفع لتسأل. المعلم حاضر، لكنه يشرح لطلبة يكتبون الملاحظاتدون أن يسمعوه.

يقول أحدهم: “نُكرّم المعلم في أكتوبرونُقصيه باقي الشهور!“ نعم، فقد صار صوت المعلم في الخلفيةمثل الموسيقى في مقهى مزدحم: موجود لكنه لا يُنصت إليه.

قبل سنوات، كانت المدارس مليئة بضجيج الأسئلة، بنقاشات الصف، بحركات العيون بين الطلاب والسبورة. أما اليومفكأن الفصل غرفة صامتة، فيها شاشة تعرض، ومعلم يتحدث، وطلبة ينتظرونالملخص في القروب“.

ليست أزمة أدواتبل أزمة وجود. التعليم لم يعد لقاءًبل بثاً. والمعلم لم يعد مرشداًبل ناقل شرائح.

في أحد اللقاءات التربوية، قالت معلمة بعد ٣٠ سنة من الخبرة: “لم أعد أرى في عيون طلبتي سؤالاًفقط انتظار الإجابة!”

لقد صارت السبورة اليوم وسيلة لعرض المعلومات، لا لاكتشاف الأفكار. وغاب ذلك الحضور الإنساني العميق الذي يصنعه تواصل العينونبض الكلمةوحدس المعلم حين يشعر أن أحدهم لم يفهم، حتى لو لم يتكلم.

دراسة نُشرت في Journal of Educational Psychology (2023) كشفت أن أكثر من 64٪ من المعلمين في المدارس الرقمية يشعرون بـالاغتراب الوظيفي، ويفقدون الإحساس بتأثيرهم في الصف.

وهذا الاغتراب لا يُقاس بالتكنولوجيا فقطبل بانقطاعالدفءمن الفصول الدراسيةولذلك، فإن إعادة النظر في العلاقة الصفية ليست ترفاًبل ضرورة.

في فنلندا، قامت بعض المدارس بإلغاء السبورات الرقمية مؤقتاً، وعادت إلى نماذج التفاعل الوجهي والمجموعات الصغيرة. والنتيجة؟ تحسّن الأداء المدرسي بنسبة 18٪، وزاد تفاعل الطلبة بنسبة 35٪ خلال ثلاثة أشهر.

إن كنتم تُكرّمون المعلمفأعيدوا له السبورة التي ترى، والصوت الذي يُسمع، والدور الذي يُحترم. فليس تكريم المعلم لوحة شكربل بيئة تُنصت له، وتُؤمن بدوره، وتُعيد له مكانته.

ربماآن الأوان لنُعيد ترتيب الفصل. لا الكراسيبل العلاقة بين الوجوه والقلوب.

إن إعادة روح الصف لا تتطلب ميزانياتبل تتطلب وعياً. وعياً بأن التعليم الحقيقي ليس مجردإتمام منهج، بل بناء إنسان. وعياً بأن السبورة ليست لوحة، بل مرآة لما نؤمن به. فهل نُعيد لها الحياةأم نبقيها مجرد أداة إلكترونية أخرى؟

ربما نحتاج أن نعيد للسبورة بصرهالا بتقنية جديدة، بل بعين المعلم الذي يراهم، وقلب المدرسة الذي يسمعهم.

إن احترام المعلم لا يأتي من هاشتاق موسمي، بل من استعادة رسالته. من تقدير صمته حين يتأمل، وكلمته حين يُشعل فهماً، ووقوفه حين يفتح باباً جديداً في عقل طالب. فإذا كانت السبورة قد انطفأتفربما يجب أن نُضيء نحن من جديد.

Scroll to Top