أكتوبر 31, 2025

عقولنا في عُلب ونتساءل: أين الإبداع؟

أكتوبر 31, 2025

Charting Expectations, Risks, Benefits, Tradeoffs, and Value in Germany and China

مدارس تنتج…ولا تبتكر.

في كل صباح، يدخل الطلبة إلى صفوف متشابهة: نفس الترتيب، نفس المقاعد، نفس السبورة، نفس الطريقة. يُلقَّن المنهج، يُحل الواجب، يُعاد الامتحان… ثم يُقاس كل شيء بدرجة. وبعد كل هذا، نسأل: لماذا لا يُبدع أبناؤنا؟

كيف نطلب من العقول أن تُبدعونحن نُغلقها في عُلب؟ نُعلّمهم أن الحل الصحيح واحد، وأن السؤال يجب أن يُطرح بصيغة نموذجية، وأن التفكير خارج الصندوقخطأ يُخصم عليه!

في دراسة نُشرت في Creativity Research Journal، تبيّن أن معدلات التفكير الإبداعي لدى طلبة المرحلة المتوسطة انخفضت بنسبة 30٪ خلال العقدين الأخيرين، وأن أكثر الأسباب تعود إلى “الضغط الأكاديمي الموحّد والنمطية الصفّية”.

المدارس تُشبه مصانع التعبئة: كل طفل يدخل بخياله…ويخرج بشهادة واحدة، وسلوك واحد، وطموح لا يخرج عن ثلاث خيارات. المعلم يُطالب “بتنمية الإبداع”، لكنه يُحاسَب إن خرج عن الكتاب. المنهج يذكر الإبداع في المقدمة…ثم يُقيّده بالأنشطة المغلقة.

نحن لا نكسر العُلببل نُزيّنهانُضيف رسمة على الغلاف، نُجمّل التمرين، نُخفف الأسلوبلكن الصندوق هو هوالإبداع ليس مهمة ترفيهيةبل مناخ فكري.

فيا من تصرخون: أين الموهوبون؟ اسألوا أولًا: هل تركتم لهم مساحة ليختلفوا؟ هل منحتموهم لحظة تفكير بلا توقيت؟ هل سمحتم لطفل أن يُخطئ…دون أن يُحبط؟

العقول لا تُبدع في العُلبحتى لو طُليت بألوان زاهيةبل حين تُكسر العُلب، وتُفتح النوافذويُقال للطفل: “لا بأسفكّر بطريقتك!”

في أحد الفصول، رُسمت على الجدار عبارة: “فكر بإبداع، لكن الطالب الذي أجاب بطريقة مختلفةرُفضت إجابته لأنها ليست في النموذج“. وهكذا، نُكرّم الإبداع بالشعاراتونخنقه في التطبيق.

في تقرير صادر عن منظمة Torrance Center، وُجد أن الأطفال بعمر 5 سنوات يُظهرون مستويات عالية من التفكير الإبداعي بنسبة تفوق 85٪، لكن هذه النسبة تنخفض إلى أقل من 10٪ عند سن 12 عامًا بسبب “بيئات تعليمية لا تسمح بالتجريب، وتكافئ الحلول النموذجية”.

كيف نُريد عقولًا مبتكرةونحن نُعلّمها أن تتشابه؟ نُربيهم على الحذر من الغلط، والخوف من الخروج عن السؤال، والرهبة من رأي يختلف عن معلمهم.

الموهبة لا تنمو في جدول حصص مزدحم بالشرح والتلقين. ولا في منهج لا يسمح بالسؤال، ولا في حصة لا تحتمل التوقف والتأمل. الإبداع لا يُولد داخل قالب… بل حين نكسر القالب، ونحتفي بالمجهول، ونشجّع الخطأ النبيل.

كم من فكرة طُردت لأنها لم تكن مألوفة؟  وكم من طالب كتم فكرته لأنه خاف أن يُقال له: “ركز في الكتاب فقط!” نُعلّم طلابنا أن يلتزموا بالنموذجثم نتساءل لماذا لا ينتجون شيئاً خارجه.

فيا أصحاب القرار، لا تسألوا عن الإبداع في تقارير الأداء…بل اسألوا عن البيئة التي تسمح بظهوره، عن المعلم الذي يحتضنه، وعن الطفل الذي لم يُعاقب لأنه فكّر بطريقة مختلفة.

الإبداع لا يُدرّس في درسٍ، بل يُزرع في ثقافةٍ. فحين يتعلّم المعلم أن يُصغي لا أن يُملي، ويتعلّم الطالب أن يجرّب لا أن يحفظ، وحين يُكافأ الخطأ الذكي لا يُعاقب؛ حينها فقط تبدأ العقول بالخروج من عُلبها.

نحن لا نحتاج لمنهج جديد فقطبل لعقلية جديدةتؤمن أن العقول حين تُحرّرتُبدع بالفطرة.

Scroll to Top