فبراير 20, 2026

أبناءٌ يعرفون المطلوب… ويجهلون لماذا 

فبراير 20, 2026

         في أحد الصفوف، رفعتُ سؤالاً بسيطاً: لماذا تتعلّم؟ لم يتأخر الجواب: “علشان أنجح.علشان أجيب نسبة.علشان أدخل تخصص.

         كل الإجابات صحيحةلكنها تكشف شيئاً مقلقاً. لم يقل أحد: لأنني أريد أن أفهم نفسي. لم يقل أحد: لأن المعرفةتغيّرني قبل أن تغيّر معدّلي.

         هناك فرقٌ هادئ بين أن تتعلّم لتصلوأن تتعلّم لتكبر. ونحندون أن نشعردرّبنا أبناءنا على الأول، وتركناالثاني للصدفة. 

         المشكلة ليست في جيلٍ كسول، ولا في طلابٍ بلا طموح. المشكلة أعمق من ذلك: لقد تحوّل التعليم في وعيهم إلىوسيلة عبور، لا مساحة تشكّل. صار السؤال الأهم: كم سأحصل؟ لا: ماذا سأصبح؟

         علم النفس التربوي يفسّر هذا التحول بدقة. نظرية الدافعية الذاتية كما عرضها Ryan وDeci (2000) تشير إلى أنالإنسان يحتاج ثلاث حاجات نفسية أساسية كي يتحرك بدافع داخلي حقيقي: الاستقلالية، والكفاءة، والانتماء. عندما يشعرالطالب أن له صوتاً، وأن جهده يُقدَّر، وأنه جزء من بيئة تحترمه، يصبح التعلم خياراً واعياًلا عبئاً مفروضاً.

         وتؤكد مراجعات تجميعية أحدث مثل Howard وآخرين (2021) أن الدافعية الذاتية ترتبط بمستويات أعلى منالمثابرة وجودة الأداء والرفاه النفسي، بينما ترتبط الدافعية القائمة على الضغط الخارجي بقلق أكبر وانطفاء تدريجيللشغف. الفرق ليس فيقوة التحفيز، بل في مصدره.

         نحنبحسن نية أحياناًنربط التعلم بالمكافأة أكثر من ربطه بالمعنى. نمدح النتيجة أكثر مما نحتفي بالمحاولة. نرفع الطالب المتفوق فوق المنصة، لكننا نادراً ما نرفع قيمة السؤال الذي غيّر طريقة تفكيره.

         حتى المراجعة التحليلية الشهيرة لـ Deci وKoestner وRyan (1999)، التي حللت نتائج 128 دراسة، وجدت أنالإفراط في المكافآت الملموسة قد يُضعف الدافعية الداخلية عندما يشعر المتعلم أن جهده موجّه لإرضاء الخارج لا لإشباعفضوله الذاتي.

         وهكذا يتعلم الطالب درساً غير مكتوب: أن قيمة المعرفة ليست في أثرها عليهبل في أثرها على صورته أمامالآخرين. طالبٌ ناجح في الورقةلكنه متردد في الحياة. يحفظ المطلوبلكنه لا يعرف لماذا يريده. يخاف من الخطألأنه يهدد تقييمه، لا لأنه يمنع فهمه.

         ربما لا نحتاج إلى مناهج جديدة بقدر ما نحتاج إلى أسئلة جديدة. سؤال يعيد للطالب صوته. سؤال يجعله يرى التعلمكرحلة شخصية لا سباقاً جماعياً.

 فاسأل نفسك: هل ابنك ينجحأم يعيش المعنى؟

وهل صفك يخرّج درجاتأم يوقظ إنساناً؟

 ولعل السؤال الذي يقترب الآن بهدوء هو: أين يبدأ دور المعلّم في إعادة هذا المعنى إلى مكانه الصحيح؟

 

Scroll to Top