أبريل 24, 2026

كيف نقيس دون أن نكسر الإنسان

أبريل 24, 2026

         القياس ضروري، نعم. لكن المشكلة تبدأ حين ننسى أن ما نقيسه هو تعلّمٌ عند إنسان، لا رقمٌ في آلة. فبعض التقييمات تكشف المستوى فعلاً…وبعضها تكسر الروح قبل أن تكشف شيئاً.

         حين يعود الطالب إلى بيته بورقة الاختبار، لا يحمل معها درجة فقط؛ يحمل تفسيراً ضمنياً لذاته. إن كانت المدرسة والبيت قد علّماه أن الرقم هو الحقيقة الكاملة، فإنه سيقرأ الورقة كما لو كانت حكمًا على قيمته، لا إشارة على موضع يحتاج إلى فهم أو مراجعة. وهنا يتحول القياس من أداة تربية إلى أداة جرح.

         في المقابل، هناك طريق آخر للتقييم، أكثر إنسانية وأعلى أثراً. المراجعة المرجعية الشهيرة لـ Black وWiliam (1998) بيّنت أن التقييم الصفي التكويني، حين يُستخدم لإنتاج تغذية راجعة مستمرة تساعد الطالب والمعلم على معرفة أين يقف المتعلّم، وإلى أين يتجه، وما الخطوة التالية، يرفع جودة التعلّم بشكل ملحوظ. هذه الفكرة استمرت لاحقًا في أعمال Dylan Wiliam  (2009) حول “التقييم من أجل التعلّم”، وفي الأدلة التطبيقية اللاحقة التي ركّزت على أن وظيفة التقييم ليست التصنيف فقط، بل دفع التعلّم إلى الأمام.

         ولهذا ليست المشكلة في وجود الاختبار، بل في فلسفته. هل نضعه لنسأل: من المتفوّق ومن المتأخر؟ أم نضعه لنسأل: ماذا فهم الطالب، وماذا يحتاج بعد؟ هل نريد أن نخرج من الحصة بترتيب الأسماء؟ أم بخطوة تربوية أوضح في طريق الفهم؟

         أعمال John Hattie  (2009) في Visible Learning جعلت التغذية الراجعة من أكثر المؤثرات قوة في رفع التحصيل، لا بوصفها تعليقاً سريعاً على النتيجة، بل بوصفها توجيهًا يفتح الطريق أمام المتعلّم. حين يعرف الطالب ما الذي نجح فيه، وما الذي يحتاجه لاحقاً، يصبح التقييم نافذة لا جداراً.

         الورقة التي تكتفي برقم قد تُنهي الحصة، لكنها لا تبدأ الفهم. أما التقييم الذي يحترم الإنسان، فيفعل شيئاً أعمق: يقول للطالب ضمناً إن تعثّرك ليس فضيحة، وإن مستواك الحالي ليس حكمًا نهائياً، وإن الخطأ معلومة لا إدانة.

         لهذا، قد يبدأ التغيير من أمور تبدو صغيرة: أن نقلّل من التقييم الذي يعلّق مصير الطالب كله على لحظة واحدة، وأن نُكثر من التقييم الذي يُشركه في رؤية تقدّمه، وأن نسأل بعد الاختبار: “ماذا سنفعل تالياً؟” لا “من الأعلى ومن الأدنى؟”. وأن نتذكر أن بعض الطلاب لا يحتاجون إلى رقم أكبر بقدر ما يحتاجون إلى طريقة أعدل ليروا أنفسهم.

         فاسأل نفسك: هل نقيس لِنفهم…أم نقيس لنحكم؟ وهل يعود الطالب من التقييم وهو أوضح لنفسه…أم أكثر شكّاً في قيمته؟

         المدرسة التي تعرف كيف تقيس، هي المدرسة التي لا تنس أبداً أن وراء كل درجة…إنساناً.

Scroll to Top