في الأيام العادية، يستطيع كثيرون أن يخلطوا بين الرأي والانتماء، بين التحليل والولاء، بين الحضور في النقاشوالحضور في الوطن. أمّا في الأزمات، فتسقط الزينة اللفظية سريعاً، ويظهر السؤال الحقيقي: أين تقف؟
الكويت لا تعيش لحظةً نظرية. الهجمات الإيرانية على البلاد لم تعد خبراً بعيداً؛ وزارة الصحة أعلنت في الأول منمارس سقوط قتيل و32 مصاباً، ثم تأكد لاحقاً مقتل طفلة في الحادية عشرة من عمرها بشظايا متساقطة، كما نعتالكويت أربعة من رجال الواجب خلال الأيام الماضية: اثنان من القوات البحرية، واثنان من وزارة الداخلية “أثناء أداءالواجب”.
وحين تحدث سمو الأمير، كان واضحاً في المعنى قبل العبارة: ما جرى اعتداءٌ وحشي من دولةٍ “نعتبرها صديقة” رغم أن الكويت لم تسمح باستخدام أرضها أو أجوائها أو سواحلها لأي عمل عسكري ضدها، وأكد سموه حق الكويتالكامل في الدفاع عن نفسها. وفي الجهة الأخرى، كان ترامب يرفع السقف أكثر وهو يقول إن الحرب على إيران “شبهمكتملة”. بين هذين الصوتين، لم تعد المسألة مادةً للجدل البارد، بل اختباراً صريحاً لوعي الناس واتجاههم.
وفي الأزمات، لا يظهر الشهداء وحدهم…يظهر أيضاً من يظن أن الدم مناسبة، وأن الخوف موسم ظهور، وأنالوطن يمكن أن يتحول إلى “Trend”. بعض المشاهير لا يحسنون قراءة اللحظة إلا بوصفها فرصةً لزيادة الضوء علىوجوههم؛ يرفعون أصواتهم أكثر مما يرفعون مسؤوليتهم. وهنا يصبح الضجيج أخفّ أخلاقاً من الصمت، لأن الوطن فيلحظات الخطر لا يحتاج من يمثّل الانفعال، بل من يحترم وجع الناس ويزن كلمته.
وهناك صوتٌ آخر أكثر إرباكاً: صوتُ من يبرّر العدوان، أو يهوّن من شأنه، أو يختبئ خلف لغة “التحليل” ليُخفف جرمالاعتداء على البلد الذي يعيش في أمانه. ليس كل اختلاف في الرأي مشكلة؛ فالرأي يُناقش. لكن حين يتقدّم التعاطف معالمعتدي على وضوح الانتماء، لا يعود الأمر اختلافاً معرفياً بقدر ما يصبح اختلالاً في البوصلة. فالوطن ليس منصةً نعتليهاوقت الراحة، ثم نتنصّل منه وقت الامتحان.
في لحظات كهذه، لا يُطلب من الجميع أن يتشابهوا، لكن يُنتظر منهم أن يعرفوا أين يقفون. وأن يفهموا أن حريةالتعبير لا تعني حرية تمييع الحقيقة، ولا حرية تحويل الألم العام إلى فرصةٍ شخصية، ولا حرية الوقوف في المنطقة الرماديةبينما الشهداء يُدفنون والجرحى يُسعفون والبلد يُختبر.
فاسأل نفسك: هل ما تقوله الآن يليق بالكويت…أم يليق بصورتك فقط؟
وهل الوطن عندك موقفٌ أخلاقي ثابت…أم وجهة نظرٍ قابلة للتبديل؟
في الأزمات، لا نُعرَف بما نشعر به فقط…بل بما نعلن الانحياز إليه.