ديسمبر 26, 2025

حين ماتت الحقيقة ونجت الرواية

ديسمبر 26, 2025

         نحن لا نعيش أزمة معلوماتنحن نعيش أزمة ثقة.

         في زمنٍ صار فيه الدليل متعباً، والرواية خفيفة كزرّمشاركة، أصبحت الحقيقة تمشي ببطءٍ في شارعٍ مزدحم بالانطباعات.

         حين أعلنت أكسفوردما بعد الحقيقةكلمة العام (2016)، كانت تلتقط نبض مرحلةٍ لا يعلو فيها صوت الوقائع بقدرما يعلو صوت ما نريد أن نصدّقه. ليس لأن الناس يكرهون الحقيقة، بل لأنهم يتعبون من تعقيدها، ويستريحون إلى قصةٍ قصيرة تشبه مزاجهم وتُشبه جماعتهم.

          ولأن الرواية أسرع من الحقيقة، جاءت الأرقام لتقول ما نراه كل يوم. دراسةساينسالشهيرة لڤوسوغي وروي وأرال (Vosoughi, Roy & Aral, 2018) على تويتر بين 2006 و2017 وجدت أن الأخبار الكاذبة تنتشر أوسع وأعمق وأسرع من الأخبار الصحيحة، وأن البشرلا الروبوتاتكانوا المحرّك الأكبر لهذا التسارع. بمعنى آخر: نحن نُسرّع الرواية عندما توافق عاطفتنا، ثم نستغرب لماذا تتأخر الحقيقة.

         المنصات لا تكذب بالضرورة، لكنها تكافئ ما يثير الانفعال. ومن هنا تصبح الحكاية التي تُغضب أو تُبكي أو تُضحك أكثر قابلية للانتشار من حقيقةٍ تحتاج سياقاً وهدوءاً. وحين تتحوّل العاطفة إلى معيارٍ للصدق، تتراجع مهارة السؤال، ويصعد حكمٌ خطير: “أشعر أنها صحيحةإذن هي صحيحة.

         حتى طلابناوهم الأكثر حياةً داخل الشاشاتليسوا بمنأى عن هذا المزاج. تقارير مجموعة ستانفورد للتربيةالتاريخية ( SHEG, 2016؛ 2019) أظهرت أن كثيراً من اليافعين يواجهون صعوبة في تقييم مصادر المعلومات الرقمية وتمييز الموثوق من المضلِّل.

         وهذا ليس شأناً إعلامياً فقط، بل شأن صحةٍ مجتمعية. منظمة الصحة العالمية عرّفتالإنفوديمياInfodemicبوصفها فيضاً من المعلوماتبعضها صحيح وبعضها مضلليمكن أن يصنع ارتباكاً، ويقوّض الثقة بالخبراء، ويُربك سلوك الناس عند الأزمات (WHO, 2020).

         في البيت، يتخذ الأمر شكل سؤالٍ صغير لا يبدو سياسياً ولا كبيراً: ماذا نشارك؟ ولماذا؟

         وفي المدرسة، يتخذ شكل سؤالٍ أعمق: هل نعلّم أبناءناماذا يقرؤونأمكيف يفكّرون فيما يقرؤون؟

         وفي الإعلام، يتخذ شكل امتحان ضمير: هل نركض خلف التفاعل، أم نحرس الحدّ الأدنى من الصدق؟

         ربما لا تعود الحقيقة بصرخةٍ واحدة، بل بعاداتٍ هادئة: أن نتريّث قبل المشاركة، أن نسأل عن المصدر، أن نقبلفكرة أن بعض القضايا لا تختصر في مقطعٍ واحد.

         الحقيقة لا تحتاج جمهوراً يصفّقبل عقولاً تصبر.

         وحين نصبر، ستعود الرواية إلى مكانها الجميل: أداة فهمٍ لا بديلاً عن الدليل.

Scroll to Top