د. أحمد حسين الفيلكاوي
→ العودة للمقالات
التعليم

خرّيج «كورونا»… وحسابه في التعليم لم يُغلق بعد!

تاريخ النشر: 20 يونيو 2025 · الكاتب: د. أحمد حسين الفيلكاوي

في زمنٍ كانت الشهادة تُطبع قبل أن يُطرح السؤال، و"التعلّم" يحدث عبر كاميرا مغلقة وميكروفون صامت… وُلد لنا جيلٌ كامل، يُعرف اليوم باسم: خرّيج كورونا.

جيلٌ اجتاز سنوات دراسية كاملة من خلف الشاشة، دون مختبر، دون حوار، دون موقف تربوي حيّ.

نال الشهادة… لكنه لم يلمس التجربة.

خرّيج طب لم يُشرف على مريض.

خرّيج تربية لم يقف يومًا في صف.

خرّيج هندسة لم يلمس موقعًا ميدانيًا.

ليس هذا اتهامًا لهم، بل تساؤلًا عنّا.

*هل نأتمن هذا الخرّيج على حياتنا… على تعليمنا… على مؤسساتنا؟*

صديقي الأكاديمي كان يروي لي، بانكسار، كيف تسلّل بعضهم إلى سوق العمل كأنهم اجتازوا كل شيء، بينما الحقيقة أنهم لم يُختبروا في شيء.

كانوا ناجحين رقميًا… غائبين واقعيًا.

والسؤال الأكبر: من المسؤول؟

هل الجائحة؟ أم النظام الذي لم يُعد تقييم المرحلة؟

هل الطالب؟ أم المجتمع الذي كرّم الشهادة ونسِي التجربة؟

بلاد عديدة حول العالم واجهت الواقع بشجاعة:

أعادت تقييم بعض الشهادات، رفضت اعتماد تدريب غير مكتمل،

ووضعت شروطًا لإثبات الجدارة… قبل منح الثقة.

ففتحنا لهم الأبواب، وقلنا: مرحبًا بالشهادة!

ونسينا أن الوطن لا يُبنى بلقب، بل بعقل مجرّب، ويدٍ تدربت، ووعيٍ عاش الموقف.

الخطر الحقيقي ليس في من تخرّج، بل في من بدأ يُعلّم!

جيل يُعلّم جيلًا، والخبرة غائبة… والنقد نائم.

إن لم نُراجع، سنستيقظ لاحقًا، لكن بعد أن نكون قد سلّمنا الأمانة لمن لم يُجَرّب.

*فبعض الشهادات ليست عبئًا على الورق… بل عبئًا على الوطن.*

نُدرك أن كورونا كانت ظرفًا استثنائيًا…

لكن ما لا يُغتفر هو أن يستمر الاستثناء حتى بعد زوال الخطر!

اليوم، لا أحد يسأل عن الفجوة التي خلّفتها تلك المرحلة.

لا تقييم شامل، لا فحص للكفاءة، لا مشروع وطني لتأهيل الجيل الذي تخرّج من أزمة.

وفقًا لتقرير أصدرته منظمة الصحة العالمية عام 2022،

فإن أكثر من *45٪ من طلاب التخصصات الصحية حول العالم*

فقدوا تدريبهم العملي أثناء الجائحة.

بعض الدول تعاملت مع هذه الحقيقة بجرأة:

أعادت التأهيل، فرضت اختبارات جديدة،

ورفضت ترخيص أي مهنة إلا بعد التدريب الكامل.

أما نحن… فلا زلنا نُراكم شهادات على جدران المؤسسات،

دون أن نتساءل: *هل العقل حاضر خلفها؟ أم الغياب كان سيد الموقف؟*

بل الأسوأ من ذلك… أننا بدأنا نُطبّع مع السطحية.

صار كافيًا أن تحمل لقبًا… حتى لو لم تُجرّب مسؤوليةً.

المهنة تحوّلت إلى شكل… والتعليم إلى طقوس.

و"الاعتماد الأكاديمي" أصبح شهادة تزكية، لا اختبارًا للمضمون.

نحن نحتاج وقفة دولة، لا شكوى فرد.

سياسات تضع معيارًا لما بعد الجائحة، لا مجاملات تبرّر الخلل.

هل من المنطق أن يكون قائد صف تخرج في فترة الحظر؟

أن يكون مدير مشروع لم يُباشر مشروعًا واحدًا؟

أن يكون معلّمًا لأطفالنا… وهو لم يشرح درسًا في قاعة حقيقية؟

هذه ليست أزمة طلاب… بل أزمة نظام.

إن لم نُدرك الآن خطورة ما حدث، فالقادم أخطر.

نحن لا نحاكم "خرّيجي كورونا"…

بل نحاكم غياب الرؤية بعد الجائحة.

فبعض الشهادات… ليست عبئًا على الورق،

بل عبئًا على وطن يُراكم الألقاب، ويُفرّغ العقول.