الذوق التكنولوجي يفسد الذوق الطبيعي…
جلست طويلاً في أحد سفراتي للدول الأوربية أنظر إلى الطبيعة الجميلة من الزهور والورود الهجينة التي لا يكاد بها رائحة.. والأشجار التي بدأت تثمر ثماراً اختلفت عما قبل.. والفراش يتطاير حولنا وأسمع تغريد العصافير الذي لا نكاد نسمعه كما قبل.. تفكرت بخلق الله وقدرته في إطار حياتنا ما بين السابق والحاضر.. وأن كل شيء خلق بتدبر وتوازن رباني لا دخل لنا به.. ولكن عندما نظرت إلى الجانب الآخر من تلك الطبيعة الجميله.. نجد أن أشكالاً عديدة من التطور التكنولوجي من حولنا أحدث الكثير من الخلل في تلك الطبيعة.. فحديقتنا في بيت والدي كانت في حضن الطبيعة ولم يكن هناك تدخل منا إلا أن نسقيها الماء بـ (الهوز) ونسمدها من الطبيعة.. وكان يفوح عبير الزهور.. وأهازيج الطير حولنا.. وتشعر أنها تحيا متصالحه مع نفسها في ظل الطبيعة..
إن موجودات الطبيعة من حولنا خلقها الله بقدر.. هذا القدر محدد وموزون وتستطيع الطبيعة أن تعيد اتزانها بشكل طبيعي إذا اختل هذا التوازن ولم يتدخل فيه الانسان.. وتدخل الانسان لخلق نظام بيئي محيط به وفق ما يشتهيه أدى عبر الأزمان إلى نشوء كوارث طبيعية.. لأن تقديرات الإنسان محدودة ومعرفته بدقائق الأمور وعلل الاشياء من حوله مرهونه بمعرفته والتي بطبعها تكون معرفة قاصرة على ما تمر به حواسه وما يستنبطه عقله..
طور الانسان التكنولوجيا واستطاع من خلالها أن ينتخب صفات محدده من الطبيعة ويستثني أخرى.. مثال.. الألوان والروائح في الطبيعة معروفه وكبيرة وقد خلقها الله وفق ما يناسب الطبيعة البشرية على اختلاف البيئات.. ولكن الانسان بمساعدة التكنولوجيا استطاع توليد ألوان وروائح جديدة غير موجودة في الطبيعة بحالتها الجديدة.. هذه الروائح والألوان حسب القواعد الفيزيائية تتمتع بها أطوال موجية تتناسب مع البيئة والطبيعة البشرية.. ولا تختلف معها.. ولكن الألوان التي طورتها التكنولوجيا.. وكذلك الروائح تختلف بأطوالها الموجية وخصائصها الفيزيائية عن تلك الطبيعية.. وبالتالي ظهرت هذه الروائح والألوان مخالفة للطبيعة البشرية..
فالصوت الذي أنتجته التكنولوجيا تضر بالسمع.. رغم عذوبتها.. وغيرت ذوق السمع لدى جيل التكنولوجيا.. والألوان والصور التي أوجدتها التكنولوجيا غيرت منظور العين لدى الإنسان.. وتسبب أيضاً الضرر بجانب ضرر الذوق الذي أفسدته قدرات التكنولوجيا وما تفرزه من دقائق الأمور في الطبيعة.. والزهور أصبحت منظر وألوان بلا رائحه وهي من إنتاجات التكنولوجيا التي خالفت الطبيعة.. والناس غير مدركين التغيير..
لقد أصبحنا الآن أمام ثورة غيرت الذوق العام.. ولا نستغرب أن نجد معايير الموضة والجمال قد اختلفت عند البشرية وأصبحت تقاس بمقاييس غريبة..
والخلاصة.. أن قدرات التكنولوجيا على فرز دقائق الأمور في الطبيعة.. وكذلك قدرتها على دمج تلك الدقائق في أشكال جديدة وطرحها أمام الذوق العام.. أدى إلى فساد الذوق العام وتغيير معاييره..